أبي منصور الماتريدي

244

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وجل - رسوله أن ينكل هؤلاء ؛ ليكون ذلك عبرة وزجرا لمن بعدهم إن لم يكن ذلك لهم زجرا ، فيكون في تنكيل هؤلاء منفعة لغيرهم ، إذا رأي غيرهم أنه فعل بهؤلاء ما ذكر يكون ذلك زجرا لهم عن مثل صنيعهم ؛ ولهذا قال : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] ، من رأى أنه يقتل به امتنع عن قتل آخر ، فيكون في ذلك حياة الخلق . وكذلك جعل الله في « 1 » القتال مع العدو ونصب الحرب فيما بينهم رحمة ؛ لأن في الطباع النفار عن القتل ، فإذا رأى أنه يقتل بتركه الإسلام أجاب إلى ذلك ؛ إشفاقا على نفسه ، وخوفا على تلف مهجته « 2 » ، فيكون في القتال رحمة ، وكذلك جميع ما جعل الله فيما بين الخلق من العقوبات في النفس وما دون النفس جعل زواجر وموانع عن المعاودة إلى مثله ؛ فعلى ذلك قوله : فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ : عظة وزجرا لمن بعدهم . لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ . لكي يذكروا النكال فلا ينقضوا العهد ، وكذلك كل مرغوب في الدنيا ومرهوب جعل دواعي وزواجر لموعود في الآخرة ، وجعل كل لذيذ وشهي في الدنيا لما وعد في الآخرة [ في الجنة ] « 3 » ، وكل كريه وقبيح زاجرا له عن الموعود في الآخرة في النار ؛ على هذا بناء أمر الدنيا . والتشريد : قال أبو عبيدة « 4 » : معناه من التفرقة « 5 » ، أي : فرق بهم .

--> ( 1 ) في ب : من . ( 2 ) في ب : نفسه . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) معمر بن المثنى ، التيمي بالولاء ، البصري ، أبو عبيدة ، النحوي : من أئمة العلم بالأدب واللغة ، مولده ووفاته في البصرة ، استقدمه هارون الرشيد إلى بغداد سنة 188 ه وقرأ عليه أشياء من كتبه ، قال الجاحظ : لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه . وكان إباضيا ، شعوبيا ، من حفاظ الحديث . قال ابن قتيبة : كان يبغض العرب وصنف في مثالبهم كتبا ، ولما مات لم يحضر جنازته أحد ؛ لشدة نقده معاصريه ، وكان مع سعة علمه ، ربما أنشد البيت فلم يقم وزنه ، ويخطئ إذا قرأ القرآن نظرا ، له نحو 200 مؤلف ، منها : « نقائض جرير والفرزدق » ، و « مجاز القرآن » ، و « العققة والبررة » ، و « مآثر العرب » و « المثالب » و « فتوح أرمينية » ، و « ما تلحن فيه العامة » ، و « أيام العرب » و « الإنسان » و « الزرع » و « الشوارد » و « معاني القرآن » و « طبقات الفرسان » و « طبقات الشعراء » و « المحاضرات والمحاورات » و « الخيل » و « الأنباذ » و « إعراب القرآن » و « القبائل » ، و « الأمثال » ، و « تسمية أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم وأولاده » . ينظر : الأعلام للزركلي ( 7 / 272 ) ، وبغية الوعاة ( 395 ) ، وأخبار النحويين البصريين ( 67 ) . ( 5 ) ينظر مجاز القرآن ( 1 / 248 ) .